AR | FR | EN
2026/02/13

قراءة في المقاربة القضائية للجريمة الإلكترونية

بقلم: الأستاذ عبد الكريم أوالحاج محامٍ بهيئة مراكش مقدمة: تحديات العصر الرقمي والعدالة الجنائية لقد فرض التطور التكنولوجي المتسارع واقعاً جديداً تخطى الحدود الجغرافية والزمنية، حيث تحول الحاسب الآلي من مجرد أداة تقنية إلى بيئة خصبة للعلاقات الإنسانية والتعاملات التجارية. ومع هذا التوسع، برز "الاستعمال السيئ" لهذه التقنيات، مما أدى إلى ولادة ما يعرف بـ الجريمة الإلكترونية، وهي ظاهرة إجرامية مستحدثة حيرت رجال القانون والقضاء في كيفية تكييفها وإثباتها. إننا اليوم أمام نمط إجرامي يتسم بالذكاء والتباعد المكاني بين الجاني والمجني عليه، مما يستوجب فحصاً دقيقاً لمرتكزات هذه الجرائم وآثارها على المنظومة القانونية. أولاً: مرتكزات الجريمة الإلكترونية وخصائصها تتأسس الجريمة الإلكترونية على ركائز تقنية ومعنوية تجعلها تختلف جذرياً عن الجرائم التقليدية، ويمكن حصر هذه المرتكزات في الآتي: • الوسيلة والمحل: تنطلق هذه الجرائم من استخدام نظام المعالجة الآلية للمعطيات، حيث يكون الحاسوب هو الأداة، أو الهدف، أو البيئة التي تُخزن فيها المعلومات. • الطبيعة المعنوية: تستهدف هذه الجرائم كيانات معنوية وبيانات رقمية وليست ماديات ملموسة، مما يثير إشكالاً حول الاعتراف بحماية قانونية لهذه "النبضات الرقمية". • الركن المادي والشرعية: تقوم الجريمة على سلوك غير مشروع (إيجابي أو سلبي) ينصب على معطيات الحاسب الآلي، ويستلزم وجود نص قانوني يجرم الفعل تماشياً مع مبدأ الشرعية الجنائية. • العناصر التشغيلية: ترتكز الجريمة على ثلاثية (الولوج، الهدف، والضحية)، حيث يمثل الدخول غير المشروع إلى الأنظمة المنفذ الأساسي لتحقيق الغايات الإجرامية كسرقة الأموال أو البيانات. ثانياً: آثار الجريمة الإلكترونية وتحديات التكييف القضائي أحدثت الجريمة الإلكترونية زلزالاً في المفاهيم القانونية المستقرة، وتجلت آثارها في الجوانب التالية: • أزمة مفهوم "المال": أربكت هذه الجرائم القضاء في تكييف سرقة المعلومات؛ فبينما يرى فريق أنها لا تعد سرقة لعدم مادية المحل ، يرى اتجاه آخر ضرورة إضفاء صفة "المال" على البيانات لحمايتها من الاختلاس المعنوي والنسخ غير المشروع. • عجز النصوص التقليدية: كشفت هذه الجرائم عن قصور التشريعات الجنائية الكلاسيكية في مواجهة الثورة التكنولوجية، مما دفع القضاء أحياناً إلى التوسع في التفسير، وهو ما قد يصطدم بمبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص". • تعقيد الإثبات الجنائي: أدى التداخل بين الذكاء البشري والاصطناعي إلى صعوبة الوصول للجناة أو اكتشاف الجريمة في وقتها، نظراً لعدم ملائمة طرق الإثبات التقليدية للآثار الرقمية غير الملموسة. • الموقف التشريعي المقارن: تأثر المشرع المغربي بالاتفاقيات الدولية (فاتفاقية بودابست 2000)، حيث جرم الدخول أو البقاء غير المشروع في أنظمة المعالجة الآلية للمعطيات، متخذاً موقفاً حازماً يتشابه مع التشريع الفرنسي. خاتمة: نحو توازن بين الحماية والحرية إن مواجهة الجريمة الإلكترونية تتطلب مقاربة قانونية متجددة لا تكتفي بالاجتهاد في النصوص القديمة، بل تستوجب تشريعات متخصصة تدرك الطبيعة الخاصة "للمعلومة" كقيمة اقتصادية وقانونية. إن الرهان الحقيقي أمام القضاء اليوم هو إعمال التوازن بين مكافحة هذه الظاهرة الإجرامية وبين الحفاظ على الحريات الشخصية والأمن الاجتماعي. فالأصل أن العدالة لا بد أن تلاحق المجرم في العالم الافتراضي بنفس الحزم الذي تلاحقه به في العالم الواقعي، ضماناً لسلامة المعاملات وصوناً لحقوق الأفراد في زمن الرقمنة. والله ولي التوفيق. بقلم الأستاذ عبد الكريم أوالحاج محامٍ بهيئة مراكش